عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
359
معارج التفكر ودقائق التدبر
* وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ . . . * يَكْتُمُ إِيمانَهُ : أي : كان مؤمنا قبل ذلك بمدّة من الزّمن ، وصار يكتم مع تتابع الأيّام واللّيالي إيمانه باللّه الواحد الأحد ، وبما جاء به موسى وهارون . * أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ : أي : لقوله : ربّي اللّه ، أو كراهة قوله : ربّي اللّه . * بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ : أي : بالواضحات الجليّات الفكريّة ، وبالآيات الواضحات المعجزات الخوارق ، من ربّكم ، خالقكم وممدّكم دواما بعطاءات ربوبيّته . وتابع هذا الرّجل نصحه لفرعون وكبار وزرائه ومستشاريه ، معتمدا على الاستدلال الفكريّ الراجح ، والمنطق العقليّ السّديد ، فقال لهم : لا يخلو موسى عن أن يكون كاذبا أو صادقا ، فهذان احتمالان لا ثالث لهما : أمّا على الاحتمال الأوّل : وهو أن يكون موسى كاذبا ، فإنّ إبقاءه حيّا وعدم التّعرّض لقتله لا يضرّكم بشيء ، إذ أنتم أصحاب القوّة والسّلطان في مصر ، وهو وقومه عاجزون عن التّصدّي لكم ، ثمّ إنّه لا يستطيع أن ينشر دينه وهو كاذب في مصر ؛ لأنّ اللّه لا يهدي من هو مسرف في ادّعائه أنّه رسول اللّه ، كذّاب فيما يخبر به عن ربّه . إنّه إن كان كذّابا في ادّعاءاته فلا بدّ أن يخيب في مسعاه . ولا ينجح في مقاصده . وأمّا على الاحتمال الثّاني : وهو أن يكون صادقا ، وأن يكون